أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
102
العقد الفريد
مستنقعات في الماء ، فقلت : لم أر كاليوم قط ، ولا يوم دارة جلجل . وانصرفت مستحييا . فنادينني : يا صاحب البغلة ، ارجع نسألك عن شيء . فرجعت إليهنّ ، فقعدن في الماء إلى حلوقهن ، ثم قلن : باللَّه إلا ما أخبرتنا ما كان من حديث دارة جلجل . قلت : حدثني جدّي - أنا يومئذ غلام حافظ - أن امرأ القيس كان عاشقا لابنة عمه ، ويقال لها عنيزة ؛ وأنه طلبها زمانا فلم يصل إليها ، حتى كان يوم الغدير ، وهو يوم دارة جلجل ؛ وذلك أنّ الحيّ تحمّلوا ، فتقدم الرجال ، وتخلف النساء والخدم والثقل « 1 » ؛ فلما رأى ذلك امرؤ القيس ، تخلف بعد ما سار مع رجال قومه غلوة ، فكمن في غيابة من الأرض ، حتى مرّ به النساء وفيهنّ عنيزة ، فلما وردن الغدير قلن : لو نزلنا واغتسلنا في هذا الغدير فذهب عنا بعض الكلال . فنزلن في الغدير ، ونحّين العبيد ، ثم تجرّدن فوقعن فيه ، فأتاهنّ امرؤ القيس فأخذ ثيابهنّ ، فجمعها وقعد عليها ، وقال : واللَّه لا أعطي جارية منكنّ ثوبها ولو قعدت في الغدير يومها ، حتى تخرج متجرّدة فتأخذ ثوبها ! فأبين ذلك عليه ، حتى تعالى النهار وخشين أن يقصرن عن المنزل الذي يردنه ، فخرجن جميعا غير عنيزة ؛ فناشدته اللَّه أن يطرح ثوبها ، فأبى ، فخرجت ؛ فنظر إليها مقبلة ومدبرة . وأقبلن عليه فقلن له : إنك عذبتنا وحبستنا وأجعتنا ! قال : فإن نحرت لكنّ ناقتي أتأكلن معي ؟ قلن : نعم ، فجرّد سيفه فعرقبها ونحرها ، ثم كشطها ، وجمع الخدم حطبا كثيرا ، فأجّجن نارا عظيمة ، فجعل يقطع أطايبها ويلقي على الجمر ، ويأكلن ويأكل معهنّ ، ويشرب من فضلة كانت معه ويسقيهنّ ، وينبذ إلى العبيد من الكباب . فما أرادوا الرحيل قالت إحداهنّ : أنا أحمل طنفسته « 2 » . وقالت الأخرى : أنا
--> ( 1 ) الثقل : متاع المسافر وحشمه . ( 2 ) الطنفسة : البساط : والنمرقة فوق الرحل .